الأربعاء، 13 سبتمبر 2017

فارسة زلزلت الأتراك




الأميرة / فاطمه آل عائض العسيرية.
(فارسة زلزلت الأتراك)




- مولدها/ 

ولدت فاطمة بنت عائض بن مرعي آل عائض في قرية (ريدة) بمنطقة عسير عام 1239هـ ، وترعرعت فيها وعاشت تحت كنف والدها الشيخ/ عائض بن مرعي .. وكان للبيئة التي نشأت فيها الأثر العميق في تكوين شخصيتها ، حيث إنّ بيت والدها بيت حسبٍ وجاه وعلم ودين وجهاد وطنيّ ضد الأتراك المحتلين لبلادها. ولمّا بلغت الخامسة من عمرها توفيت والدتها فتركت هذه الفاجعة أثراً في وجدانها حتى آخر يوم من حياتها .

وبعد وفاة والدتها أُدخلت مع إخوانها (كُتّاب) القرية ، وتلقت العلم على أيدي كبار العلماء ، فحفظت القرآن ، ودرست التفسير والكثير من الأحاديث النبوية الشريفة ، وبرزت في فقه الإمام الشافعي علاوةً على ملازمتها لوالدها والذي تعلمت منه الكثير من قصص البطولات والحروب ، كما اطلعت على الكثير من القصائد العربية التي صقلت موهبتها مما مكنها من نظم الشعر والتعرف على بحوره .. وقد أثار إعجاب أبيها بها وبذكائها وفهمها كثيرا من الأمور - وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها - أثار اهتمامه بها .
إذ ظهر له نبوغ مواهبها رغم أنها لم تتعلم بمدارس نظاميّة ، وانصرفت بعد ذلك إلى العلم تتزود منه .
 وقد ألفت كتاباً خطته بيدها جمعت فيه فتاوى الإمام الشافعي ، وبدأت بعد ذلك في كتابة الشعر والذي غلب عليه الطابع الديني .
 تقول في أحد قصائدها:

إلى الله عُد واخشعْ فإنّ عقابه
 إذا حاق بالإنسان أثقله الهـــــمُّ
وربّ الهدى برٌّ عليمٌ بأمرنـــا
فإن عشت للرحمن فارقك الظلمُ .

- تقواها وعبادتُها :

 اشتهرت وقتها بين الناس بأنها ذات دين ، متمسكةٌ بتعاليمه ، وكان يغلب على حياتها الزهد والتنسك ، ويدلّ على هذا حفظُها للقرآن الكريم ، وكانت تتهجد كل ليلةٍ ، وعزفت عن الزواج ، ومع مرور الوقت كبرت واشتد عودُها ونضج تفكيرها ، وأدركت ما يدور حولها وما يجري لوطنها (عسير) من محنٍ وصراعاتٍ دموية بسبب احتلال الأتراك ،  ثم كانت المصيبة الكبرى ما شاهدته من قتل والدها في إحدى المعارك الحربيّة ضد الأتراك عام 1272هـ فثارت منها كل ثائرة ، وشعرت بأن حبّ أرضها وعشقها لوطنها يُحتّم عليها حمل السلاح والتدريب . وفعلا حملته وتدربت على فنون القتال وركوب الخيل ، وقررت أن تقود مقاومةً بطولية ضد المحتلين ، وقامت بمضايقة الترك وجندهم من خلال شنّ الهجمات عليهم ليلَ نهارَ تعبيراً عن رفضها لوجودهم في بلادها مما دفع الترك لوضع خطةٍ للقبض عليها وإعتقالها ونفيها خارج البلاد.

- شعرها الحربيّ :

 بدأت فاطمة في نظم الشعر الحربي الحماسي الذي ألهب مشاعر أبناء قبيلتها وحركهم لقتال الترك وطردهم من البلاد.
تقول في قصيدة لها :

إذا ما تمـادى الشــرّ ويــل لأمـــةٍ
 تعيـــش بليــلٍ لا يجــول بـــه نجـــمُ
وهيهات أن تحظى بنصرٍ وإنما
 ترى النحس يحدو ركبه الضيق والغمُّ .

- خطة أسرها :

 قامت معركةٌ حربيّةٌ بين آل عائض والأتراك وقاتلت فيها فاطمة بضراوةٍ عنيفة وكانت هي المرأة الوحيدة التي حضرت تلك المجزرة ، والتي راح ضحيتها شقيقاها (محمد وسعد) ، اللذان قُتلا أمام ناظريها . وظلّت تحارب والسيف بيدها ولم تستسلم ، بل سطرت صفحة البطولة والفداء خالدةّ في صفحة التاريخ  ، حتى تم القبض عليها بكمينٍ دُبّر له ، فأسروها وأخذوها مكبلة اليدين إلى " استانبول " في تركيا مع أشقائها (أحمد ويحيى وعلي وعبدالرحمن وسعيد) ومع من سبقهم من وجهاء وأسرى عسير ، وأخذت معها ابنة أخيها سعد التي أصبحت يتيمةّ بعد مقتل والدها في تلك المعركة ، فكانت الأميرة فاطمة بنت عائض
هي المربية والمعلمة لابنة أخيها " فاطمة بنت سعد آل عائض " ، مما أثر في شخصيتها تأثيراً كبيراً . وفي المنفى كتبت الأميرة فاطمة أجود شعرها الذي غلب عليه الحنين إلى الوطن والدعوة إلى الصبر .

- وفاتها :

 أثناء أسرها وقبل وفاتها بفترةٍ وجيزة من عام 1296هـ كتبت نسخةً من المصحف الشريف بخط يدها وأرسلته إلى السلطان (محمود الثاني) وكتبت عبارةً مؤثرة للسلطان في تقدمتها للمصحف ، وحين اطلع السلطان على المصحف والعبارة المكتوبة تأثر تأثراً شديداً وأمر بإطلاق سراحها والعفو عنها وعن أشقائها وابنة أخيها سعد وجميع الأسرى ممن كانوا معها ، ولمّا جاء الرسول من قبل السلطان إلى السجن للإبلاغ عن أمره وجدت الأميرة فاطمة آل عائض قد أسلمت روحها  إلى بارئها مفترشةً سجادتها والمصحف بيدها ، ودفنت رحمها الله في مقابر (إستانبول) بعد أن سطرت أروع الأمجاد وآثرت ميتة العز على حياة الذلّ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق